أحمد بن محمود السيواسي

184

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

وعلى المؤمنين يسيرا حتى يكون أخف عليهم من صلاة مكتوبة صلوها في الدنيا . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 27 ] وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ( 27 ) قوله ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ ) نزل حين صد ومنع عقبة بن أبي معيط أبي بن خلف عن الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » ، فالظالم هو أبي الكافر ، يعني اذكر يوم يعض ( عَلى يَدَيْهِ ) أي يندم على تفريطه في جنب اللّه تعالى ، يجوز أن يكون « عَلى » زائدة ويكون العض حقيقة ، روي : « أنه يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه ثم تنبتان ثم يأكل هكذا يوم القيامة تحسرا » « 2 » ، وهو ( يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ ) في الدنيا ( مَعَ الرَّسُولِ ) محمد عليه السّلام ( سَبِيلًا ) [ 27 ] أي طريقا إلى الجنة وهو الإيمان . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 28 ] يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ( 28 ) ( يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً ) أي عقبة ( خَلِيلًا ) [ 28 ] يعني صديقا ، والخلة هي أن لا يكون لطمع لا لخوف بل في الدين . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 29 ] لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً ( 29 ) ( لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ ) أي الإيمان أو القرآن ( بَعْدَ إِذْ جاءَنِي ) وهذا آخر كلام الظالم ، وقيل : الظالم هو عقبة صده أبي عن الإيمان ، وكان سبب ذلك أن عقبة يكثر مجالسة الرسول عليه السّلام فاتخذ يوما ضيافة ، فدعا إليها رسول اللّه فأبى أن يأكل من طعامه حتى يشهد بأنه رسول اللّه ، ففعل وكان أبي صديقه فعاتبه ، وقال : صبأت يا عقبة ؟ قال : لا ولكني شهدت له ليأكل من طعامي ، والشهادة ليست في نفسي ، فقال : ما أرضى عنك حتى تشتمه وتبزق في وجهه ، ففعل ذلك ، فنزلت هذه الآية « 3 » ، وقيل : الآية عامة في كل متحابين اجتمعا في معصية اللّه تعالى « 4 » ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل » « 5 » ( وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ ) المطيع له ( خَذُولًا ) [ 29 ] يخذله ويهينه يوم القيامة بتبرئه منه ، هذا من كلام اللّه تعالى أو من كلام الظالم والشيطان خليله ، لأنه أضله كما يضله الشيطان ، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 30 ] وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ( 30 ) قوله ( وَقالَ الرَّسُولُ ) بيان شكاية النبي عليه السّلام إلى اللّه تعالى من قومه ، أي قال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ( يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي ) أي قريشا ( اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) [ 30 ] أي متروكا لا يلتفتون ولا يؤمنون به ، عن النبي عليه السّلام : « من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفا لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به يقول : يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجورا اقض بيني وبينك » « 6 » ، وقيل : هو من الهجر وهو الهزيان ، أي جعلوه مهجورا فيه « 7 » كقوله « وَالْغَوْا فِيهِ » « 8 » . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 31 ] وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً ( 31 ) قوله ( وَكَذلِكَ ) تعزية للنبي عليه السّلام وإخبار من الأنبياء قبله ، أي كجعلنا لك عدوا من المشركين ( جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ) أي المشركين ( وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً ) [ 31 ] المعنى : أنك كالأنبياء قبلك في

--> ( 1 ) عن ابن عباس ، انظر الواحدي ، 279 . ( 2 ) عن عطاء ، انظر البغوي ، 4 / 234 . ( 3 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 458 - 459 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 234 . ( 4 ) نقله المفسر عن البغوي ، 4 / 235 . ( 5 ) رواه الترمذي ، الزهد ، 45 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 235 . ( 6 ) انظر الكشاف ، 4 / 147 . ولم أعثر عليه بهذا اللفظ في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . روى البخاري في صحيحه ( في كتاب فضائل القرآن ، 21 ) : « خيركم من تعلم القرآن وعلمه » . وروى هذا الحديث أيضا الترمذي في سننه ، فضائل القرآن ، 15 . ( 7 ) أخذه عن الكشاف ، 4 / 147 . ( 8 ) فصلت ( 41 ) ، 26 .